بحث

كرة العالم

مدونة إنسان

وسم

دولة

فرص و مبررات قيام دولة علوية في الساحل السوري

743px-Mandate_of_Syriaكتبت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة ( كوندوليزا رايس ) في أخر مقالاتها عن الصراع في سورية , أن فرنسا و بريطانيا لم تراعيا عدم الإنسجام العرقي و الطائفي في تكوين المنطقة عند تشكيلهما للدولة السورية , و رغم أني أمقت هذه الشخصية و شخصية رأيسها جورج بوش , إلا أنها قد تصل لتبرهن على صحة ما كتبته تبعا لمجريات الأحداث في سورية و في حال إستكملت البلد عبورها للطريق الذي تتمناه الوزيرة و فريقها .

أفضت إتفاقية سايكس بيكو إلى تكوين الدولة السورية بحدودها الحالية , و هذه الحدود غير مسبوقة بل محدثة من قبل فرنسا و بريطانيا , فإبن درعا كان يمكن أن يكون أردني و كذلك إبن دير الزور كان يكمن أن يكون ببساطة عراقي , و بالتالي ما الذي يجعل إبن هذه الدولة سوري  و ما هية حوامل الإنتماء للدولة السورية بحدودها الحالية ؟

بعد الإستقلال شهدت سورية حركات قومية إكتسبت شعبية كاسحة بين أبناء الدولة المحدثة , فكلمة سورية قبل التقسيم كانت تعني بلاد الشام , فإبن عمان و إبن طرابلس كان ليقول أنه سوري لو سأل قبل التقسيم , و بالتالي فالحركات القومية سواء منها السورية أو العربية كانت الإندفاع الطبيعي لإبن سورية في بحثه عن إنتماء يبرر كونه سوري , على إعتبار أن حدود هذه الدولة لا يمكن أن تكون نهائية , و بالطبع كانت القومية العربية أكثر إنتشارا من القومية السورية بسبب العمق الذي يوفره الإنتماء القومي العربي للشارع المصري على سبيل المثال .

و لأن الحدود المصطنعة لا يمكن أن توفر إنتماء وصلت الحركات القومية إلى الحكم في عدد من الدول العربية  و خاصة في سورية و العراق و مصر , و كان فشل هذه الأنظمة على المستوى الشعبي فيما بعد المحرك الأساسي لبحث الناس عن إنتماء أخر ظهر في إزياد شعبية الحركات الإسلامية و خاصة عبر حركة الإخوان المسلمين التي إنطلقت من مصر .

و  إن كنت أضع فشل الأنظمة القومية و من بعدها تمكين الحركات الإسلامية من الحكم  لإفشالها عبر تعويمها أولا و من ثم  جعلها تصطدم ببنى إجتماعية أساسية , في خانة المخططات المسبقة و المتقنة لترويض المنطقة ,  إلا أن الدولة الأساسية التي سيحسم الصراع فيها نفاذ هذه المخططات من عدمه ستكون بالتأكيد سورية الحالية بسبب التداخل في  تكوين هذه الدولة و مو قعها الذي جعلها أساس لتضارب مصالح قوى مختلفة .

ما هو إنتماء المتصارعين في سورية حاليا ؟, الإنتماء أحد الحوامل الأساسية  للصراع الحالي في سورية , الإنتماء القومي بكثير من أبعاده  للموالين للدولة حتى و لو لم يكن بشكل مباشر  و يدور في فلكه عناوين أخرى كالعلمانية و الكره للإسلاميين و غيره  , و الإنتماء الحركي الإسلامي الواضح  للمعارضين الأساسيين الفاعلين على الأرض  و يدور في فلكه جملة من العناويين و الإنتماءات الأخرى إضافة لكره الحاكم و فريقه , و تلعب الطائفية دور أدنى في هذا الصراع طالما الدولة ما زالت موجودة , و عكس ما يعتقد كثيرون فسورية لا يمكن أن تكون مجرد دولة ديموقراطية غير محددة الإنتماء تحتضن صراع ديموقراطي بين التيارات القومية و الإسلامية حسب النوستالجيا الإعلامية , فهذه دولة ذات حدود مصطنعة تحتضن بمبررات  وجودها الإنتماء و لا يمكن أن تكون أوتيل ديموقراطي ! فدولة بهكذا حدود بحاجة لهوية و إنتماء واضح , و الصراع هنا ليس جولة مصالح  إنتخابية  بين الحزبين الديموقراطي  و الجمهوري في أميريكا بل هو صراع إنتماء حقيقي و صراع وجودي يشكل الصراع مع إسرائيل و إرتباط مصالح دول مختلفة بنتيجة هذا الصراع جزىء أساسي من المشهد , و هذه الدولة إما أن تكون ديموقراطية بهوية قومية أو تكون ديموقراطية بهوية إسلامية , هذا إن كان بإمكانها أن تبقى بحدودها الحالية بعد وصول الحرب فيها إلى هذه المراحل .

الإنتماء القومي هو توسعي بالظاهر و لكنه دفاعي بطبيعته و من هنا يتمسك الموالون للدولة بمؤسسات هذه الدولة و بوجود جيش قوي بإعتباره الضمانة الوحيدة لوجود و إستمرار هذه الدولة و إستمرار الطموحات القومية ضمنيا , بينما بإمكان من ينتمي إلى الإخوان أن يقول أن سورية و تركيا كانتا دولة واحدة , أي أن سورية لم تكن محتلة من قبل الأتراك , و بالتالي لا مركزية لسورية لدى الإسلاميين , و رغم أن الحركة الإسلامية هية حركة توسعية أيضا و لكنها حركة أممية لا تكتسب فيها سورية أي أهمية خاصة و بالتالي الإنتماء السوري ثانوي و عند الإسلامين الإصطدام بحواجز ثقافية و بنيوية حتمي بينما العوامل الثقافية و البيئية يمكن تخطيها في الحالة القومية بصيغ معينة عبر وجود لغة مشتركة كاللغة العربية .

في حال سقوط الدولة السورية و تفتتها ( و هذا مستبعد حتى الآن )  سيكون من الصعب على الغرب تنصيب المعارضة حاكمة لسورية و إنشاء نظام إسلامي (ديموقراطي) موالي للغرب , فمن غير المحتمل إنسحاب روسيا و الصين و إيران من المشهد , و على الأغلب الحرب ستستمر و لكن بأشكال أخرى حيث سيبرز العامل الطائفي ليكون الإنتماء الثالث الذي قد يقضي على أي كلام عن إنتماء قومي في سورية , و هنا الكلام المتكرر عن إنشاء دولة علوية في الساحل السوري ! , حتى الأن المناطق الساحلية في سورية لم تشهد أحداث كبرى , و لا حتى تفجيرات أمنية و رغم سهولة الموضوع (أتمنى أن لا يصيب سوء أي سوري )  , و قد يكون السبب الكميات الكبيرة من النفط المكتشفة في شرق المتوسط و خصوصا في الساحل السوري , فقد يكون الناتو يحضر لإحتلال المنطقة في الوقت المناسب و لهذا فهو لا يريد لمسلحي المعارضة التواجد في المنطقة , أو بسبب الدور الروسي و تواجد قاعدة روسية في طرطوس ,  فليس الإستيلاء على النفط السوري بالخلاف البسيط بين الدول الكبرى , على كل حال فمبررات تدخل االناتو لإحتلال المنطقة قد تكون إنتقال الحاكم من دمشق للقتال في الساحل ( حسب سيناريو االمعارضة غير الواقعي ) أو نشؤ حرب يتعرض فيها العلويين لعمليات إبادة مما يضطر الغرب للتدخل و إنقاذ الأقليات ! و بالتالي إحتلال المنطقة و السيطرة على النفط , و إنشاء دولة في الساحل ذات طابع مذهبي سيكون كارثة , أولا لأنها ستكون من مفرزات الحرب فالمذهبية تتعارض مع إنتماءات أهل الساحل المتنوعة و تتعارض مع توجههم العلماني القومي , و لكن على الأغلب لأكثر من دولة مصلحة في تكوين هكذا دولة بصيغة مذهبية , فدول صغيرة متصارعة بصبغة مذهبية تصب في خانة كلام إسرائيل عن يهودية الدولة الإسرائيلية ! , كل التمني أن لا تصل الأمور إلى هكذا نهايات .

Advertisements

الإلتهاب الشعبي في سورية

كان يعتقد القائمون على البيت السوري أن الجهاز الأمني المطعم بالممانعة يكفي لمنع حدوث أي إنتكاسات سورية  , و لكن عدوى الحرية أثبتت أنها فعالة في إضعاف جهاز المناعة الأمني و تشويه صورته الممانعة , لم يعي حكام سورية قبل اليوم ان المناعة الحقيقية التي قد تحصن البلد هي المناعة الطبيعية المكتسبة من خلال الحرية نفسها التي تتسبب بأزمة اليوم .

التمني هو ان يتم تطعيم الحياة العامة في سورية بالحرية لتكتسب البلد مناعة حقيقية ضد أي إجتياح يأتي كعدوى في المستقبل , لأن ثورات الحرية التي نتكلم عنها قد تكون ثورات طبيعية ناتجة عن التناقض بين واقع الشعوب العربية و فكرها التحرري الذي إعتنقته منذ إنطلاق الإعلام الفضائي الموجه , أو قد تكون مسبقة الإعداد في الغرب مع إستفادة من الواقع كما تدعي بعض التقارير , مهما تكن الحقيقة الممهدة لهذه الثورات فالحل يكون بالحرية نفسها ضمن ضوابط معينة تضمن عدم تحول هذه الحرية إلى فلتان او إلى مصدر دائم لإنعدام الإستقرار في  البلد .

و داوها بالتي كانت هي الداء , الحرية , لن تنفع المضادات الأمنية و لا أي تهويل يتجاهل الجرح الشعبي العميق , في إعادة الإستقرار إلى  الشارع , لا يمكن تجاهل هذه الرغبة العارمة بالحرية التي تتدفق في الشارع السوري , كل هذا الإندفاع و كأنه إلتهاب شعبي أخذ معه النفوس و العقول , و لكنه إلتهاب بالمعنى الإيجابي لأن مضاده الحيوي موجود بشكل طبيعي في العقول و النفوس ذاتها , يكفي تحرير الإنسان لتعود الأمور إلى طبيعتها و لتذهب الناس إلى معاودة حياتها اليومية , و لكن هذه المرة سيعطي نصر الحرية الأمل بمستقبل أفضل لمن لم يعرف التفائل بمستقبله و مستقبل بلده من قبل .

تقدم الأزمة الحالية فرصاً عديدة للقائمين على الشأن السوري و للشعب السوري بشكل عام , هذه الأزمة كشفت الكثير إن على الصعيد الداخلي أو على صعيد تعامل الخارج مع أزمة سورية من هذا النوع و بخاصة تعامل وسائل الإعلام مع الحدث و إستجابة الناس للرسائل الواردة من خلال الإعلام و قدرته على التأثير أو التمهيد لأحداث مفترضة , و لكنها أيضاٌ تقدم تحدي كبير لإستقرار سورية بالمستقبل .

بقدر  كون هذه التظاهرات إيجابية كونها ستدفع الوضع العام في البلد بإتجاه حراك سياسي ضروري , لهذه المظاهرات مخاطر , فتعود الناس على اللجوء إلى الشارع عند كل  مطلب أو كل حادث سيجعل من سورية بلد منعدم الإستقرار و سيفتح الباب أما تأزمات لا يمكن توقع السيناريوهات التي قد تذهب بها و و لهذا على الدولة اليوم أن تعي أن عليها الإستجابة لمطلب الشارع و لكن ضمن حدود تقنين التظاهر في سورية المستقبلية ووضعه ضمن اطر قانونية تحدد السلوك الصحي من السلوك الذي قد يسبب عدم استقرار .

هنالك عدة عناصر مهمة لإستقرار سورية مستقبلاً :

1- الإعلام الخارجي و طموحه في المشهد السياسي السوري , و من هنا يجب إيجاد إعلام سوري يستطيع أن يصل إلى المواطن السوري أسرع من الإعلام الخارجي , هذا يحتاج لعمل لأن الإعلام هو أهم عوامل التأثير , و ضمن خطط مديدة لتشكيل الرأي العام , يجب تشكيل رأي عام يضمن الإستقرار و هنا يأتي دور خطة إعلامية وطنية للتصدي للإعلام الخارجي .

2- تستطيع الدول التي قد تطمح للسيطرة على المشهد السوري بأن تنسج تحالفات داخل سورية توفر لها إمكانيات مادية كبيرة غير متوفرة في سورية , نظراً لأهمية موقع سورية الجيوستراتيجي , و من هنا قد يصبح التنافس السياسي السوري عند تحول سورية لدولة ديموقراطية إلى مصدر لعدم الإستقرار , و لهذا فشكل الديموقراطية السورية و القوانيين المحددة لهذه الديموقراطية , عليها أن تحدد بوضوح نوع الممارسات السياسية التي قد تشكل خطر على الدولة والأطر العامة التي تضمن إستقرار سورية و أهمية دورها المحوري في المنطقة .

3 – جيش سوري قوي يحمي الديموقراطية السورية و يمنع تحول أي خلاف سياسي داخلي إلى أزمة قد تهدد إستقرار البلد .

4- أن يتم بناء  سورية الديموقراطية على أساس المواطنة و المساواة بين جميع أبنائها لأن  التعددية السورية قد تتحول إلى مشكلة في حال عدم تلبية الدولة للمواطنين من خلال إشراك الجميع في الحياة السياسية على قدم المساواة , لأن شعور الجميع بسورية كدولتهم الوطنية سيمنع إيجاد أي بؤر تأزم و العكس قد يحول سورية إلى منطقة مأزومة بإستمرار يمكن إستغلالها بسهولة من قبل قوى خارجية .

الأمل كل الأمل أن يستفيد الجميع من الوضع الحالي , الدولة و الشعب , و أن ينبذ الجميع السلبيات التي قد تشكل خطر على سورية المستقبلية .

أنشئ موقعاً أو مدونة مجانية على ووردبريس دوت كوم..

أعلى ↑